عنف البنية المحتضّرة

ينتمي نظامُ الحكم في سورية إلى بنيةٍ قديمةٍ من الذهنيّة والممارسة؛ بنيةٍ حافظت على ذاتها عبر الانشغال بهمٍّ واحدٍ وحيدٍ ألا وهو، كيف السبيل إلى البقاء رغماً عن التغيّرات الواقعيّة أو الممكنة التي يتعرّض لها المجتمعُ السوريُّ وروح العالم معاً؟.. كان الجواب العمليُّ عن هذا السؤال هو الشغلُ الشاغل للحكم منذ السادس عشر من تشرين 1970 حين استولى حافظ الأسد ـــ وزير الدفاع آنذاك ـــ على السلطة. وجاء الجواب أيضاً بسيطاً عن سؤالٍ زائفٍ. هو سؤالٌ زائفٌ لأنّ لا علاقة له بمنطق الحياة ولا بمصادفاتها، ولهذا جاء الجواب: لابدَّ من تكسير رأس التاريخ عبر القوّة. لم تكن القوةُ تعني للنظام سوى احتكار القوةِ وإشهارها دائماً في وجه أيّة حالةٍ من حالات التمرّدِ على النظام.

ولقد تأسّست القوةُ المحتكرَة من قبل النظام على جملةِ أعمدةٍ وأهمّها:

1 ـــ الاستيلاء على القوةِ العسكريّة من قبل النظام والتحكم بها وجعلها أداته الأساسيّة في الحفاظ على السلطة.

2. الاستيلاء على أجهزةِ الأمن وتوسيعها ليشمل تدخّلها في شؤون الناس كلّ أنماط عيشهم.

3. التحكّم بأجهزةِ الإعلام جميعها في محاولةٍ لتشكيل الوعي المطابق مع البنية المتخلّفةِ.

4. إفراغ المجتمع من أيّة قوةٍ ممكنةٍ تتيحها له أنماط المجتمع المدنيِّ أو الأهليِّ أو السياسيِّ.

5 ـــ تحطيم البنية الأخلاقيّةِ القائمة على فهم الكرامة الإنسانيّة للحيلولة دون ظهور أيِّ نوعٍ من أنواع التمرّدِ أو التأفف عليه ومنعه.

6. الاعتماد على عصبيّةٍ طائفيّةٍ أساسيّةٍ مع جماعاتٍ أخرى تعلن الولاء لهذه العصبيّة، ومنح هذه العصبيّة القوّة وفضلات القوّة واحتكارها، حيث أدّت إلى خلق بنيةٍ ذهنيّةٍ ذات وعيٍ سلطويٍّ ومنفرّدٍ بالسلطة من جهة، وخائفة على مصيرها إن هي فقدت السلطة.

لقد أدّى احتكار القوّة المؤسَّسة على الأعمدة السابقة إلى زوالِ الدولة وانتصار السلطة المحتكرَة، فنمت ظاهرةُ احتكار السلطة لشكل دولةٍ دون دولةٍ. وعلى هذا تأسّست إستراتيجيّةُ السلطة العامّة في مواجهة أيِّ قوّةٍ ناشئةٍ أو أيِّ حراكٍ أو أيِّ تمرّدٍ أو أيِّ انتفاضةٍ أو أيِّ نقدٍ، أو أيِّ نوعٍ من أنواع الممارسة الفكريّة أو العمليّة.

ولإستراتيجيّة كهذه شقّان: شقٌّ منصبٌّ على الحيلولة دون ظهور أيِّ إمكانيّة تمرّدٍ، وشقٌّ متعلّقٌ بمواجهة التمرّد الواقعيِّ إن حصل. انطوى الشقُّ الأول في إستراتيجيّة المواجهة السلطويّة على تحطيم المجتمع المدنيِّ عبر تحويله إلى أذرعٍ في إستراتيجيّة القمع. فلقد التهمت السلطةُ النقاباتِ جميعها التي من شأنها أن تكونَ المحرّك الأساسيَّ لأيّة انتفاضةٍ، وجعلتها مؤسّسات سلطةٍ لا مؤسسات مجتمعٍ، كنقابة المعلمين و نقابة الصحفيّين ونقابة المحامين ونقابة الأطباء والفلّاحين والعمال وحتّى الكتّاب إلخ..

لذا حرمت النقاباتُ من ممارسة حتى مهامها المطلبية . فمنذ 1970 لم تجرِ أيّة مطالبةٍ بحقوق أجورٍ أو عملٍ أو حريّةٍ إطلاقاً. وهذا الأمر ساهم مساهمةً كبيرةً في خلق الركود التاريخيِّ واستمراره، حيث طعن قلب المجتمع ـــ المجتمع المدنيِّ ـــ والذي يعبّر عنه القلب الفاعل ألا وهو الفئاتُ الوسطى.

وإذا أضفنا إلى هذا الالتهام للمجتمع المدنيِّ تحطيمَ المجتمع السياسيِّ في صورته الحزبيّة، ومنع قيام الحياة السياسيّة، باستثناء الحزب الحاكم بوصفه قائداً للدولة والمجتمع نظرياً ولم يكنْ كذلك في تاريخيه قط، أدركنا حجمَ الكارثة في سلب الفئات الوسطى و الأكثريّة السكانيّة من شخصيّتها وفاعليّتها وإبداعها.

أمّا التحطيم الأكبر لقلبِ المجتمع، أي الفئات الوسطى، بوصفه إستراتيجيّةَ تحطيم الممكن، أي الحيلولة دون ظهورِ الخطر والوقاية من “شرِّ هذه الفئات”، فقد تمَّ عبر تحطيم نمطِ عيشها القائم على تلبية حاجاتها بكلِّ ارتياحٍ. فعبر الإفقار المتعمَّد لهذه الفئات سعى النظامُ إلى إشغالها بالعمل لتلبية حاجاتها البيولوجيّة فقط. أي نقلها من التحرّر البيولوجيِّ الذي هو صفةٌ من صفات نمط عيشها إلى الانشغال بالبيولوجيِّ. ومن أهمِّ عناصر إستراتيجيّة مواجهة المجتمع، في شقّها الأولِ كإستراتيجية وقاية، مراقبة حياة الناس وإفسادها بجمهورٍ كبيرٍ من المخبرين، وجعل أنشطة الحياة مرتبطةً بالموافقات الأمنيّة، بدءاً من الحصول على الموافقة الأمنيّة للقيام بحفل زفافٍ في قاعةٍ من القاعات، وانتهاءً بالموافقات الأمنيّة على نشاط القطّاع الخاصِّ. وكلُّ ما سبق ذكره تمَّ في أهمِّ عنصرٍ من عناصر إستراتيجيّة الوقاية؛ وأقصد إعلان حالة الطوارئ التي استمرّت عقوداً من الزمن، وظلّت ممارساتها قائمةً بعد إلغائها الشكليِّ.

لقد ألغت حالةُ الطوارئ فكرة الحقِّ من حياة السوريّين، من حقِّ الحياة وحقِّ التملّك إلى حقِّ التعبير وحقِّ العمل وحقّ السفر. وألغت السلطة القضائيّة التي من شأنها أن تحافظ على الحقِّ وترعاه. وألغت قانون العقوبات وحوّلته إلى أداة قهرٍ. حيث قضى عشراتُ الآلاف في السجون ومازالوا يقضون دون أيّه تهمٍ يجرّمها القانون. وأرست حالات إلغاء الحقِّ، حالات الاعتداء على الحقِّ، كالاعتداء على الأرض وأملاك الدولة وحقوق الآخرين، بل صار الحصولُ على الحقِّ وسيلةً للابتزاز الماليِّ. لقد جعلت إستراتيجيّة مواجهة السلطة هذه لإمكانيات الحراك الشعبيِّ جهازَ السلطة مرهقاً إلى أبعد الحدودِ، وبالمقابل أرهق المجتمع إرهاقاً قلَّ مثيله في التاريخ. أما إستراتيجيّة النظامِ في المواجهة المباشرة لأيِّ حراكٍ أو تمرّدٍ أو انتفاضةٍ فلقد تأسّست على استخدام القوّة العسكريّةِ والأمنيّةِ استخداماً لا حدودَ له في القضاء قضاءً كاملاً على الخصم.

وقبل أن أنتقلَ إلى الحديث عن إستراتيجيّة النظام في مواجهة الثورة الراهنة، لابدَّ من الوقوفِ عند التجربة التي واجه فيها النظام تمرّد ما سُمّيَ خطأً تمرّد الإخوان المسلمين فقط. لأنّ تمرّدَ سبعينيّات القرن الماضي لم يكن وقفاً على الإخوان المسلمين، بل اشتركت به قوىً عديدةٌ كالحزب الشيوعيِّ السوريِّ (رياض الترك) ورابطة العمل الشيوعيِّ وحزب البعث العربيِّ الاشتراكيِّ التابع للقيادة القوميّة في العراق “وحزب البعث ـــ 23 شباط” وحزب العمال إلخ. لكنّ جزءاً من الإخوان هم الذين مارسوا العمل الإرهابيَّ العنفيَّ المسلّح بشكلٍ طائفيٍّ ـــ أي ضدَّ نخبٍ من الطائفة العلويّة ـــ وبطريقةٍ لم تشهد لها سورية مثيلاً في تاريخها. انطلق النظامُ في مواجهة الإخوان المسلمين من إستراتيجيّة الإبادة، دون أيِّ تفكيرٍ بالأسباب التي أدّت إلى عنف الإخوان ومعارضة الأحزاب اليساريّة والبعثيين للبعث الحاكم، ودون أيّة محاولةٍ ـــ ولو محاولة ـــ لإصلاح النظامِ وتقديم تنازلاتٍ على الأرض لتأسيس العيش المشترك على حدٍّ أدنى من الحياة المعشريّة الديمقراطيّة.

إبادةٌ لجماعة الإخوان المسلمين، سجنٌ طويل الأمد للفئات الأخرى، سجنٌ لمجرّد الشبهة. هذه الإستراتيجيّةُ التدميريّة لم يكن لها لزومٌ، حيث كانت السلطة تتصرّف بمنطق العنف الإخوانيّ نفسه مع الإخوان، لا بوصفها سلطة دولةٍ بل بوصفها سلطةً فقط. كانت الشبهة كافيةً لإدخال الكائن البشريِّ إلى أقسى أقبية السجون ولسنين طويلةٍ. وكان سجن تدمر الأنموذجَ الفريدَ من نوعه في سجون العالم في القتل والتعذيب والإهانة. وفي الوقت نفسه تضخّمت أجهزةُ الأمن إلى حدٍّ أشاعت فيه الرعب والخوف في المجتمع. ما إن تيسّر للنظام، عبر إستراتيجيّة العنف الإباديِّ، النجاحُ على العنف المسلّح للإخوان والرفض السلميِّ للمعارضة حتّى اعتقد أنّه قد استنَّ طريقةً ناجعةً في الانتصار على الخصوم. ولقد أدّى هذا النجاحُ إلى إطلاق يد سلطة الأمن بكلِّ شعبه وفروعه للتحكّم بالحياة اليوميّةِ للبشر الذين أصابهم الهلعُ من هول بطش النظامِ.

حوّلَ النجاحُ هذا النخبة العسكريّة إلى نخبةٍ فاجرةٍ–فاسدةٍ حاكمةٍ بأمرها. في هذه الفترة بالذات، فترة ما بعد النجاحِ في القضاء على معارضي النظام، فقدت السلطةُ كلَّ حياءٍ في ممارسة بطشها وجشعها وفسادها. ولأنّ شبحَ الإخوان ـــ الطليعة المقاتلة ـــ ظلَّ حاضراً أمام السلطة ظلّت إستراتيجيّة الإبادة حاضرةً لكلِّ احتمال تمرّدٍ. السلطة المنتصرة اطمأنّت لانتصارها واطمأنّت لإستراتيجيّتها في ظلِّ ركودٍ مجتمعيٍّ وهلعٍ اجتماعيٍّ وخنوعٍ شبه كليٍّ.

وكان الامتحانُ الآخر لهذه الإستراتيجيّة الإباديّة في قمع ربيع دمشق، الذي كان حركةَ نخبةٍ ثقافيّةٍ ـــ سياسيّةٍ نزيهةٍ سلميّةٍ وطنيّةٍ بالمعنى الأخلاقيِّ، ليس فيها أيُّ حضورٍ لنزعةٍ طائفيّة رغم عصبيّة نخبة النظام الطائفيّة. كان الظهورُ المباشر لربيع دمشق بعد خطاب القسم للرئيس الشابِّ الذي ورث سلطة أبيه، عبر آليّة احتكار القوّة التي تحدّثت عنها، وهو في سن الرابعة والثلاثين خارقاً بذلك الدستورَ الذي فرضه الأب. كان خطابُ القسم نوعاً من الرشوة للمجتمع السوريِّ للتخفيف من مهزلة استلام الابن للسلطة من جهةٍ، ومحاولةً للانزياح عن صورة الأب من جهةٍ أخرى. وظنّت النخبةُ السوريّة المتمرّدة أنّها قادرةٌ على النهوض بحركةٍ إصلاحيّةٍ تحمل النظام على القبول بها، ولاسيّما أنّ عدداً من رجالات النظام أوحى بإمكانيّةٍ كهذه. ولقد عاشت سورية آنذاك مرحلة المنتديات التي ـــ وبسرعةٍ هائلة ـــ عمّت جميع محافظات البلد، وبدا أنّ مرحلةً جديدةً قادمةً مع شابٍّ لا ينتمي إلى عصر أبيه ولا إلى ذهنيّته. وما هي إلّا فترةٌ قصيرةٌ حتّى أدرك خطورةَ الحراك وخاف من أن يعمّ البلاد.

وأدرك الرئيسُ ـــ الابن ـــ أنّ والده قد أورثه بنيةً غير قابلةٍ للإصلاح أبداً، وأنّ أيَّ إصلاحٍ في هذه البنية يعني زعزعتها والإتيان عليها. فجرّب الإستراتيجيّة الإباديّة مرّةً أخرى، وأودع خيرة نخب سورية في السجون، وأغلق المنتديات جميعها دون أيّ اكتراثٍ بالمستقبل. بل زاد تغوّل أجهزته الأمنيّة وتغوّل القرابة التي راحت تحتكر الثروة وإعادة إنتاج الثروة، مطمئنّاً إلى إستراتيجيّةٍ ناجعةٍ ومجرَّبةٍ. ولأنّ التجربةَ ـــ كما اعتقدَ ـــ أكدت نجاحها، فهي قادرةٌ على النجاح في أيِّ وقتٍ وضدّ أيِّ قوىً. هذا الاطمئنان لإستراتيجيّته جعله يستخفُّ بما يختزنه المجتمعُ من حقدٍ و كرهٍ وقوّةٍ روحيّةٍ وشبابٍ واعدٍ ومعرفةٍ متجاوزةٍ الجهل السلطويَّ وآمال بعالمٍ جديد وحركة عالم سريعة. اطمأنّ لمجتمعٍ خالٍ من السياسة ومن النشاط المدنيِّ ومن الأحزاب السريّة، كما اطمأنّ إلى العلاقةِ الحسنة مع دولِ العالم الفاعلة. لم يكترث بما جرى في تونسَ ومصر واليمن اعتقاداً منه أنّ الخنوعَ قد صار سمةً أصيلةً من سمات المجتمع السوريِّ.

لا أريد الآن أن أشرحَ أسباب الثورة السوريّة، لكن لم يخطر على بال النظامِ أو بال أحدٍ أن تبدأ شرارةُ التمرّد من المنطقة التجاريّة السوريّة التقليديّة (الحريقة). وتعزّزها درعا، التي توالى عليها أمراءُ النهب والقمع لمدّة أربعين عاماً من محافظين و رؤساء فروع أمنٍ. ولأول مرّةٍ وجد النظام نفسه في خطرٍ، بعد أن امتدّت المظاهرات لتشملَ كلَّ ربوع الوطن السوريِّ، ولكنه خطرٌ قابلٌ للإزاحة والانتصار عليه كما ظنَّ. كيف لا وعنده إستراتيجيّةٌ جاهزةٌ. ولكنّ هذه الإستراتيجية تحتاج إلى إغناءٍ هذه المرّة، لا إلى تعديلٍ؛ لأنّ الحراك الثوريَّ قد عمَّ البلاد كلّها، باستثناء مناطق عصبيّة النظام. قامت إستراتيجيةُ النظام القديمة الجديدة في مواجهة الثورة المدنيّة السلميّة العامّة على ما يلي:

أولاً: لابدَّ من إيقاف المظاهرات التي أصبحت خطيرةً وتزداد قوّةً وشمولاً، وأظهرت قدراً من الشجاعة غيرَ متوقّعٍ، وذلك عبر القتل العمد و لعددٍ من المتظاهرين كافٍ لإدخال الرعب والخوف، ولاسيّما قتل من يُشتبه أنّه من قادة الحراك الشعبيِّ، و التصفية الجسديّة لكلِّ النشطاء الفاعلين. وإدخال الجيش فوراً إلى ساحة فعل القمع حتّى لو تطلّب الأمرُ إزهاق أرواح الآلاف.

ثانياً: اعتقال كلِّ من له علاقةٌ بالثورة السلميّة هذه، بدءاً من نشطاء التواصل الاجتماعيِّ، وانتهاءً بكتّاب الشعارات على الحيطان، مروراً بالمشاركين في المظاهرات، واستخدام أشدِّ أنواع القمع والتعذيب بحقّهم.

ثالثاً: إن استخدامَ أسلوبٍ كهذا، من شأنه أن يوقفَ ـــ كما خطّط النظام ـــ الحراكَ الشعبيَّ الذي قمعه بهذه الوحشيّة، وقد يسبّبُ حرجاً أمام العالم كدولٍ ومنظماتٍ، ويحوّل جزءاً صغيراً من المتظاهرين إلى حركةٍ مسلّحةٍ يسهل الانتصار عليها بجيشٍ عرمرم. رابعاً: يجب أن يترافق هذا مع تحقيق بعض مطالب الحراكِ الشعبيِّ في الظاهر مع بقاء الممارسة هي هي. أي إصلاحٌ شكليٌّ للبنية مع بقاء البنية، لأنّه كما قلنا لا يمكن إصلاح البنية. وهكذا أُلغي قانونُ الطوارئ، مع بقاء ممارسة القمع والقتل بأشدّ ممّا كان أثناء حالة الطورائ. ألغيت المادة الثامنة من الدستور، وبقيت ممارسةُ حزب البعث هي هي. صار هناك قانونُ أحزابٍ يضمنه الدستورُ، وظلّت الحريّة للأحزاب الموالية للسلطة. كلُّ هذا ترافق مع إعلان حربٍ شاملةٍ ضدَّ الحراك الشعبيِّ، والدخول في عالم اللامعقول في ممارسة القتل والتعذيب والقمع والسجن.

خامساً: توفير المناخ لظهور حركاتٍ أصوليّةٍ عنيفةٍ، أو إدخالها ليظهر الصراع أمام الغرب أنّه صراعٌ بين السلطة والإرهاب والقاعدة، فينال حظّاً من تأييد دول الغرب.

سادساً: إدخال البلاد في صراعٍ طائفيٍّ بإشراك إيران وحزب الله وأحزابٍ شيعيّةٍ عراقيّة في عمليّة الصراع، فيضمن خلط الأوراق ونفي صفة الثورة الشعبيّة عن الحراك السوريّ، ويطيل أمدَ الصراع ظنّاً أن قوته كافيةٌ لوضع نهايةٍ يرضاها، وتعيد إنتاج البنية كما هي دون تغيير. لم يحسب النظامُ حساب تحوّل جزءٍ من الحركة الشعبيّة نفسها إلى حركةٍ مسلّحةٍ قط. ولم يحسب حسابَ أن تتحوّلَ الحركةُ الشعبيّة المسلّحة إلى فرقٍ وألويةٍ وكتائبَ تحمل أسماء الموروث السنيِّ والأبطال الشعبيّين، وتتمتّع بروحٍ معنويّةٍ قتاليّةٍ عاليةٍ جداً. كما لم يحسب حساب وجود دولٍ أعادت تقدير الموقف، وراحت تدعم الحراكَ الشعبيَّ والحراك الشعبيَّ المسلّح بالعتاد والمال والتأييد المعنوي.

ورغم هذا، ورغم أنّ الإستراتيجيّةَ القديمة قد أثبتت سنون الثورة الثلاث عمقها وفشلها، فما زال النظامُ يعتمد حتّى الآن إستراتيجيّةَ الإبادة هذه في حسم معركةٍ تعيد إنتاجَ الماضي القريب. إنّه الآن في حال المستحيل بكلِّ ما ينطوي عليه من أوهامٍ في مواجهة الممكن بكلِّ ما ينطوي عليه من واقعيّة. ما لا يتحقّق الآن، أو فيما بعد، هو المستحيل، لقد انهارت البنية. وإنّ الإستراتيجيّة القديمة التي نجحت في بنيةٍ على قيد الحياة، لن تنجحَ في بنيةٍ تنهار وتولد في الوقت نفسه من أحشاء الثورة بنية جديدة مختلفة.

وبكلمةٍ أخرى إنّ الإستراتيجيّة القديمة المجرَّبة والتي استخدمت مع الثورة، هي إستراتيجيّةٌ تتطابق مع عناصر البنية القديمة المتماسكة، ولا تنفع مع عناصر بنيةٍ انهارت أو في طريقها إلى الانهيار. فالجيش ـــ وهو العنصر الأهمُّ في البنية القديمة ـــ هو الآن جيشان، ومن هذا العنصر القديم ظهر قادةُ ألوية وكتائب الجيش الحرِّ. وأجهزة الأمن في ظلِّ حرب المدافع والصواريخ لا قيمة لها، ولم تعد فاعلةً حتّى في إخافة الحشرات، والأكثريّة لم تعد بحاجةٍ إلى التقيّة خوفاً من الظهور، والحزب الذي كان الغطاءَ الأيديولوجيَّ للإستراتيجيّة الإباديّة لم يعد له قيمة، بل إنّ كثيراً من أعضائه هم اليوم جزءٌ من الحراك الثوري. والوظيفة القديمة للنظام التي أرضت الغرب وأمريكا، لم يعد هذا النظام قادراً على القيام بها. ومن ثمّ إنّ إستراتيجيّةً مكوّنةً من بقايا جيشٍ مع جزءٍ من مليشياتٍ شيعيّةٍ عراقيّةٍ ولبنانيّةٍ وخطابٍ ميّتٍ، ناهيك عن اقتصادٍ منهارٍ، لن تفعل في النهاية سوى إطالة عمر بنيةٍ هي في لحظة الاحتضار.


للاطلاع على الورقة في الكتاب:
[gview file=”http://drsc-sy.org//wp-content/uploads/2013/11/dictatoridm-strategy.pdf”]

الدكتور أحمد برقاوي

مفكر وكاتب فلسطيني، شغل منصب رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق

105 thoughts on “عنف البنية المحتضّرة

  • مارس 27, 2022 at 7:08 م
    Permalink

    kadınlaşmakıyor federasyonmamuşlar gömleksizmemişler başarımda açıktan atamada evlenmeecekler elektrik feneriecekler dönüştürücüytüm kepekliiyortular karıştırmaymıştım

  • مايو 20, 2022 at 7:37 ص
    Permalink

    cialis pills tadalafil cialis pharmacy

  • مايو 20, 2022 at 11:18 م
    Permalink

    sildenafil 100 mg lowest price viagra sildenafil 20 mg

  • مايو 27, 2022 at 2:20 ص
    Permalink

    viagra price viagra coupon best place to buy generic viagra online

  • مايو 27, 2022 at 7:34 م
    Permalink

    buying cialis cheap tadalafil buy cialis online in australia

  • مايو 28, 2022 at 12:16 م
    Permalink

    but cialis online tadalafil cialis viagra

  • مايو 28, 2022 at 1:23 م
    Permalink

    Please let us know when you plan to publish your book!

  • مايو 28, 2022 at 3:19 م
    Permalink

    These stories are so important.

  • مايو 28, 2022 at 3:54 م
    Permalink

    I do believe your audience could very well want a good deal more stories like this carry on the excellent hard work.

  • مايو 28, 2022 at 4:23 م
    Permalink

    Hello.This article was extremely interesting, particularly since I was searching for thoughts on this subject last couple of days.

  • مايو 28, 2022 at 6:11 م
    Permalink

    What i discover troublesome is to find a weblog that may capture me for a minute however your blog is different. Bravo.

  • مايو 28, 2022 at 8:10 م
    Permalink

    Your idea is outstanding; the issue is something that not enough persons are speaking intelligently about. I’m very happy that I stumbled throughout this in my seek for one thing regarding this.

  • مايو 28, 2022 at 10:38 م
    Permalink

    nicee content keep writing

  • مايو 29, 2022 at 12:38 ص
    Permalink

    Hi my family member! I want to say that this article is amazing, great written and include approximately all important infos. I’d like to see more posts like this .

  • مايو 29, 2022 at 4:32 ص
    Permalink

    This information is very important and you’ll need to know this when you constructor your own photo voltaic panel.

  • مايو 29, 2022 at 8:31 ص
    Permalink

    Its just like you read my thoughts! It’s like reading about my family.

  • مايو 29, 2022 at 9:25 ص
    Permalink

    I loved your idea there, I tell you blogs are so exciting sometimes like looking into people’s private life’s and work. Every new remark wonderful in its own right.

  • مايو 29, 2022 at 11:21 ص
    Permalink

    I’ve been surfing online more than 3 hours today, yet I never found any interesting article like yours. It’s pretty worth enough for me. In my view, if all web owners and bloggers made good content as you did, the net will be much more useful than ever before.

  • مايو 29, 2022 at 12:11 م
    Permalink

    Amazing! Your site has quite a few comment posts. How did you get all of these bloggers to look at your site I’m envious! I’m still studying all about posting articles on the net. I’m going to view pages on your website to get a better understanding how to attract more people. Thank you!

  • مايو 29, 2022 at 2:23 م
    Permalink

    Can I just say what a relief to seek out someone who actually knows what theyre speaking about on the internet. You positively know find out how to bring a problem to mild and make it important. Extra individuals have to read this and perceive this side of the story. I cant believe youre not more in style because you positively have the gift.

  • مايو 29, 2022 at 3:21 م
    Permalink

    I am glad to be one of the visitors on this great site (:, appreciate it for putting up.

  • مايو 29, 2022 at 4:57 م
    Permalink

    Hey, I simply hopped over to your website by way of StumbleUpon. No longer one thing I’d normally learn, but I preferred your thoughts none the less. Thanks for making one thing worth reading.

  • مايو 29, 2022 at 6:14 م
    Permalink

    I had highly recommend this blog to my good friend, it’s so good

  • مايو 31, 2022 at 2:50 م
    Permalink

    However, it is virtually all done with tongues rooted solidly in cheeks, and everyone has absolutely nothing but absolutely love for his or her friendly neighborhood scapegoat. The truth is, he is not just a pushover. He is basically that special variety of person strong enough to take all of that good natured ribbing for exactly what it is.

  • يونيو 1, 2022 at 8:06 ص
    Permalink

    Some genuinely choice content on this site, bookmarked .

  • يونيو 2, 2022 at 2:20 ص
    Permalink

    Wow, amazing blog layout! How long have you been blogging for? you make blogging look easy. The overall look of your site is wonderful, let alone the content!

  • يونيو 2, 2022 at 2:49 ص
    Permalink

    There is perceptibly a lot to identify about this. I consider you made some good points in features also.

  • يونيو 2, 2022 at 3:34 ص
    Permalink

    Just what I needed to know thank you for this.

  • يونيو 2, 2022 at 4:07 ص
    Permalink

    What a great article.. i subscribed btw!

  • يونيو 2, 2022 at 10:15 ص
    Permalink

    I favored your idea there, I tell you blogs are so helpful sometimes like looking into people’s private life’s and work.At times this world has too much information to grasp. Every new comment wonderful in its own right.

  • يونيو 11, 2022 at 6:22 ص
    Permalink

    বাংলা প্রশ্ন উত্তর সাইট তল্লাশি, আজই আপনার সমস্যা নিয়ে প্রশ্ন করুন , অভিজ্ঞ ব্যক্তিগন আপনার প্রশ্নের উত্তর দিয়ে সহযোগিতা করবে । তাছাড়াও অন্যাদের প্রশ্নের উত্তর দিয়ে, জিতে নিন আকর্ষণীয় পুরস্কার । তল্লাশিতে যেকোনো বিষয়ে প্রশ্ন করতে পারেন।।

  • يونيو 14, 2022 at 1:32 م
    Permalink

    I dont think I’ve read anything like this before. So good to find somebody with some original thoughts on this subject. cheers for starting this up. This blog is something that is needed on the web, someone with a little originality.

  • يونيو 14, 2022 at 2:18 م
    Permalink

    You are my inspiration , I possess few web logs and very sporadically run out from to brand 🙁

  • يونيو 16, 2022 at 2:08 ص
    Permalink

    I was suggested this website by my cousin. I am not sure whether this post is written by him as no one else know such detailed about my difficulty. You are wonderful! Thanks!

  • يونيو 16, 2022 at 4:41 ص
    Permalink

    I do not even know how I ended up here, but I thought this post was good. I do not know who you are but certainly you are going to a famous blogger if you are not already 😉 Cheers!

  • يونيو 16, 2022 at 10:56 ص
    Permalink

    I would really like to appreciate the endeavors you cash in on written this article. I’m going for the similar best product from you finding out in the foreseeable future as well. Actually your creative writing abilities has urged me to begin my very own blog now. Genuinely the blogging is distributing its wings rapidly. Your write down is often a fine illustration showing it.

  • يونيو 16, 2022 at 5:04 م
    Permalink

    I just couldnt leave your website before saying that I really enjoyed the useful information you offer to your visitors… Will be back often to check up on new stuff you post!

  • يونيو 16, 2022 at 6:09 م
    Permalink

    Nice post.Very useful info specifically the last part 🙂 Thank you and good luck.

  • يونيو 17, 2022 at 11:00 ص
    Permalink

    This is an awesome entry. Thank you very much for the supreme post provided! I was looking for this entry for a long time, but I wasn’t able to find a honest source.

  • يونيو 17, 2022 at 11:08 ص
    Permalink

    Lovely just what I was looking for. Thanks to the author for taking his clock time on this one.

  • يونيو 18, 2022 at 7:48 م
    Permalink

    Unquestionably believe that which you said. Your favorite reason seemed to be on the net the easiest thing to be aware of. I say to you, I certainly get annoyed while people consider worries that they plainly don’t know about. You managed to hit the nail on the head. Will probably be back to get more. Thanks

  • يونيو 19, 2022 at 1:34 م
    Permalink

    If you don’t mind, where do you host your weblog? I am looking for a very good web host and your webpage seams to be extremely fast and up most the time…

  • يونيو 20, 2022 at 12:11 ص
    Permalink

    Greetings! This is my first visit to your blog! We are a collection of volunteers and starting a new initiative in a community in the same niche. Your blog provided us beneficial information. You have done a wonderful job!

  • يونيو 20, 2022 at 1:55 ص
    Permalink

    I truly appreciate this post. I have been looking everywhere for this! Thank goodness I found it on Bing. You have made my day! Thank you again

  • يونيو 20, 2022 at 5:41 ص
    Permalink

    Admiring the time and effort you put into your site and detailed info you offer!

  • يونيو 20, 2022 at 2:51 م
    Permalink

    Im impressed. I dont think Ive met anyone who knows as much about this subject as you do. Youre truly well informed and very intelligent. You wrote something that people could understand and made the subject intriguing for everyone. Really, great blog youve got here.

  • يونيو 20, 2022 at 5:09 م
    Permalink

    You are not right. I am assured. I can prove it. Write to me in PM, we will talk.

  • يونيو 20, 2022 at 5:41 م
    Permalink

    Aw, this was a very nice post. In idea I wish to put in writing like this moreover taking time and precise effort to make an excellent article! I procrastinate alot and by no means seem to get something done.

  • يونيو 20, 2022 at 8:40 م
    Permalink

    Greetings, have tried to subscribe to this websites rss feed but I am having a bit of a problem. Can anyone kindly tell me what to do?’

  • يونيو 22, 2022 at 12:48 م
    Permalink

    I do not even know how I ended up here, but I thought this post was good. I do not know who you are but certainly you are going to a famous blogger if you are not already 😉 Cheers!

  • يونيو 24, 2022 at 12:51 ص
    Permalink

    This information is very important and you’ll need to know this when you constructor your own photo voltaic panel.

  • يونيو 24, 2022 at 10:24 ص
    Permalink

    My brother suggested I might like this web site. He was entirely right. This post actually made my day. You can not imagine simply how much time I had spent for this info! Thanks!

  • يونيو 24, 2022 at 2:51 م
    Permalink

    Great post. I was checking constantly this blog and I’m impressed! Very useful info specifically the last part 🙂 I care for such info much. I was looking for this certain information for a very long time. Thank you and good luck.

  • يونيو 26, 2022 at 10:40 ص
    Permalink

    have already been reading ur blog for a couple of days. really enjoy what you posted. btw i will be doing a report about this topic. do you happen to know any great websites or forums that I can find out more? thanks a lot.

  • يونيو 26, 2022 at 10:51 ص
    Permalink

    Howdy I wanted to write a new remark on this page for you to be able to tell you just how much i actually Enjoyed reading this read. I have to run off to work but want to leave ya a simple comment. I saved you So will be returning following work in order to go through more of yer quality posts. Keep up the good work.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.