ورشات العمل

المعارضة السياسيَّة السوريَّة والديمقراطيَّة

المشاركون (حسب الأحرف الأبجدية): جاد الكريم جباعي – خولة دنيا – راتب شعبو – عبدالله هوشة – لينا وفائي

المنسق: طارق عزيزة. اشراف: يوسف فخر الدين.

مقدمة:
جرى إعداد هذه الورقة بغية إثارة النقاش حول أداء المعارضة السوريّة( ) السياسيِّ المواكب للثورة السوريّة بمختلف مراحلها وتحوّلاتها، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ الثورة اندلعت بهدف الخلاص من الديكتاتورية والانتقال بالبلاد إلى نظامٍ ديمقراطيٍّ، الأمر الذي طالما أعلنته المعارضة كهدفٍ لها، بأحزابها وتحالفاتها، خلال سنوات نضالها السابق. فإنّ مطلب النقاش الرئيس يتمحور حول مدى انسجام الأداء السياسيِّ للمعارضة مع قضية “الديمقراطيَّة” الهدف المشترك لها وللثورة، وتالياً اقترابها أو ابتعادها عن تحقيق الهدف، وأسباب ومكامن القوة والضعف، والنجاح والفشل في ذلك.
الورقة لا تقدّم أجوبةً بقدر ما تطرح أسئلة وإشكالات محدّدة تسهم في وضع محاورَ للنقاش، ستغنيها مداخلات وحوارات السادة المشاركين في الورشة، غير أنها تقدّم عرضاً عامّاً موجزاً لأبرز ملامح المعارضة (غير المسلحة) وتقسيماتها، ثم التحوّلات التي مرّت بها الثورة السوريّة، بغية ربط النقاش وتقويم أداء المعارضة وكيفية استجاباتها للواقع المتغيّر عبر مراحلَ محدّدةٍ. على أنّه عرضٌ قابلٌ للنقاش وللنقد، فهو لا يدّعي مطابقة الواقع تماماً، ولا رسم حدودٍ نهائيّةٍ بين المعطيات، بقدر ما يحاول ضبط الموضوع بحيث يمكن بحث أداء المعارضة في ضوء تمرحل الثورة وانعطافاتها.
“المعارضة التقليديّة” و”المعارضة الجديدة”
من المفردات التي أفرزتها الثورة في أشهرها الأولى ووجدت طريقها للتداول، التمييز بين معارضتين: “المعارضة التقليديّة” و”المعارضة الجديدة”. يُقصد بالأولى، الأحزاب والتحالفات السيّاسيّة والشخصيّات المستقلّة ذات الحضور البارز في المعارضة، بمختلف ألوانها الأيديولوجيّة: القومية والإسلاميّة والاشتراكيّة والليبراليّة، كأحزاب التجمّع الوطنيِّ الديموقراطيِّ، وإعلان دمشق، والإخوان المسلمين، وعدد من المعارضين المستقلين من مشارب أيديولوجية مختلفة، من بينهم شخصيّاتٌ أكاديميّةٌ وفكريّة ودينيّة وغيرها. يعود تاريخ هذه المعارضة ونشاطها السياسيِّ المناهض للنظام إلى عقودٍ خلت. في المقابل، تعني “المعارضة الجديدة” الشباب المنتفض على الأرض، والناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، سواء في تغطية الحراك الميداني إعلامياً، أو تنسيق أنشطته والدعوة الكثيفة للمشاركة في فعالياته، حيث برزت بعض المواقع الإلكترونيّة، وصفحات الثورة على موقع فيسبوك.
جزءٌ هامٌّ من “المعارضة الجديدة” هم أشخاصٌ ينحدرون من أوساط “المعارضة التقليديّة” ذاتها، إلا أنّهم انتقدوا أداءها وطريقة استجابتها وتعاطيها مع تطوّر الأحداث في الشارع، فآثروا العمل على الأرض بالتنسيق مع الشباب الثائر. في ذلك الحين، تمثّلت “المعارضة الجديدة” بشكل أساسيٍّ في “التنسيقيات”، ولاحقاً توزّع معظمها على تجمّعين كبيرين، هما “لجان التنسيق المحلّية” و”اتّحاد تنسيقيّات الثورة السوريّة” وسواهما من التجمّعات الشبابيّة، كتجمع “نبض” مثلاً. على مستوى آخر، انقسمت كلا المعارضتين بين ما سمّي “معارضة الداخل” و”معارضة الخارج”.
اتفاق.. واختلافات
بادئ الأمر، ظهر أنّ الجميع (التقليديّين والجدد، معارضة الداخل والخارج) متفقون، في الخط العامِّ، بأنّهم يعارضون النظام القائم ويسعون للخلاص من الاستبداد، وإقامة نظامٍ ديموقراطيٍّ في سوريا. لم يطل الأمر حتى تبيّن الاختلاف والخلاف الحادُّ حول التفاصيل، أكان حول سبل الوصول إلى الهدف، أو حتى في جزءٍ غير قليلٍ من مضمونه. فمنذ الأشهر الأولى، برزت الخلافاتُ والاختلافات بين “المعارضات” المختلفة وضمن كلٍّ منها، حول مقاربة الأحداث المتسارعة والمعطيات المستجدة، كالموقف من الحوار أو التفاوض مع النظام، ومن دور الخارج، ثم حول العسكرة والعمل المسلح، ولاحقاً الظاهرة الجهادية. بعبارةٍ أخرى، لم يتوقف يوماً الجدل والاختلاف بشأن سبل إسقاط النظام، وتالياً التحالفات والأولويات التي تخدم قراءة كلِّ فريق. يضاف إلى ما سلف التباس المواقف والرؤى حول مستقبل البلاد، وشكل النظام السياسيِّ المقبل لسوريا ما بعد الأسد، عدا عن “ترحيل” كثيرٍ من نقاط الخلاف الجوهريّة إلى ما بعد سقوط النظام.
بوجه عام، يُفترض أن يكون ذلك التنوّع دليلَ حيويّةٍ وعافية، ولاسيّما أنّ الهدف المفترض هو التأسيس لنظامٍ ديموقراطيٍّ تعدّديٍّ يُبنى على التنوّع ويغتني بالاختلاف. لكنّ الواقع يشير إلى خلاف ذلك، فقد زاد تباين وجهات النظر (بل تباين الأهداف والسياسات) من الانقسامات في صفوف المعارضة المنقسمة أصلا، فلم تتّجه نحو الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخيّة التي هيّأها الشارع الثائر، ولا إلى التاريخ النضاليِّ والتضحيات التي قدّمتها طوال عقودٍ في مقارعة الاستبداد.
تكاثرت المبادرات واللقاءات والمؤتمرات والتحالفات.. التي أطلقتها مختلف جماعات وشخصيات المعارضة في الداخل والخارج، ودائماً برعاية واحتضان هذه القوى الإقليميّة والدوليّة أو تلك، بما يعنيه ذلك من انخراط “المعارضات” في سياسات الرعاة الإقليميين والدوليين حيال “الملف السوري”.
اللافت أنّ المؤتمرات واللقاءات، في نسخها الأولى، وكانت تشارك فيها أطيافٌ متنوعةٌ من “المعارضات” آنفة الذكر، كانت تؤكّد أنّها “لا تمثّل الشعب السوريَّ” وأنّ المجتمعين في كلٍّ منها “يمثّلون أنفسهم فقط”، إلا أنّها “تدعم الانتفاضة” (لم تكن قد تعمّمت بعد لفظة “ثورة”) فهي تعتبر نفسها “جزءاً منها”. هكذا، إلى أن تغيّر الحال مع ظهور “المجلس الوطنيِّ السوريِّ”، وأيضاً ضمّ أطيافاً من مختلف المعارضات، وقُدّم بوصفه “الممثل الشرعيَّ الوحيد للشعب السوريِّ”، وبات الاستقطاب بينه (ولاحقاً الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة)، وبين “هيئة التنسيق الوطنيّة لقوى التغيير الديموقراطيِّ”، وما بينهما من تجمّعاتٍ وتشكيلات، لم يسلم أيٌّ من كلِّ هؤلاء من الانشقاقات والانقسامات والانسحابات..
تحوّلات الثورة وانعطافاتها
على امتداد ما يزيد على أربعة أعوام ونصف العام، مرّت الثورة السوريّة بتحوّلاتٍ وانعطافاتٍ حادّة، يمكن تقسيمها إلى أربع مراحلَ انحداريّةٍ، لا تخلو من تداخلٍ فيما بينها، نعدّدها تباعاً مع إشارةٍ سريعةٍ لمواقف المعارضة حيالها:
1) الانتفاضة الشعبيّة السلميّة: مع استثناءاتٍ قليلةٍ، فإن تلك المرحلة شهدت، ولاسيّما في الأسابيع الأولى، تلكّؤ المعارضة في اللحاق بركب الشارع المنتفض، ولم تتمكن من استثمار رأسمالها السياسيِّ المعارض، فاستمرّت عزلتها عن القطاعات الشعبيّة الأوسع، وصولاً لظاهرة “معارضات الفنادق والمؤتمرات والبيانات والفضائيات” فيما بعد.
2) العسكرة وبروز الطابع الإسلاميِّ: تراوحت المواقف باختلاف المعارضات بين احتضان العسكرة أو التحذير منها، وكذلك بين تبرير الطابع الإسلاميِّ تارةً وتبنيه وتشجيعه تارةً أخرى. وتراجع ثقل “التيار الديمقراطيِّ” لصالح الإسلام السياسيِّ بتلاوينه المختلفة.
3) صعود الظاهرة الجهادية: إدانة واستنكار في البداية، ثم اعتبار قطاعات من المعارضة أن فئات من “المجاهدين” هم جزءٌ من الثورة، مع استمرار فريق من المعارضة في إدانة الظاهرة على طول الخط.
4) ملامح الحرب الأهليّة وتقاسم مناطق السيطرة والنفوذ: إنكارٌ وتخبّطٌ وعدم وضوحٍ في المواقف نتيجة عدم السيطرة أو حتى غياب التنسيق بين المعارضة وبين القوى الممسكة فعلياً بالأرض.
نرى أنّ الطابع العام الذي كان طاغياً في كلِّ مرحلة، ودفعنا إلى هذا التقسيم النظريِّ، كان يتأثر صعوداً وهبوطاً بجملة عواملَ داخليّةٍ وخارجيّة، تشمل القمع الوحشيَّ من قبل النظام، وتدخلات الخارج (المساند للنظام أو للمعارضة)، مروراً باستجابات الشارع وردّات فعله، ثم الأجندات الخاصّة ببعض الجهات التي رأت في الأوضاع السوريّة فرصتها لتنفيذ مشاريعها. ولعلّ وضعاً بالغ الخطورة بات يستدعي التوقف عنده، وهو تجريد الثورة من هدفها (التغيير الديموقراطيِّ)، وتخفيضه إلى إسقاط النظام فقط.
نفترض أنّ المعارضة السوريّة بوصفها طرفاً سياسيّا،ً أسهمت، بهذا القدر أو ذاك، في دفع الثورة نحو هذه الوجهة الانحداريّة، من مرحلةٍ إلى أخرى، والتي ابتعدت بالشعب السوريِّ أكثر فأكثر عن أهداف ثورته التحرريّة وحلم الديمقراطيَّة المنشود، فغدت صراعات المصالح الخارجيّة، ومشاريع المجاميع الجهاديّة على اختلافها، هي أبرز ما يميّز المشهد السوري الراهن، وهذا يضع قضية “الديمقراطيَّة”، والتزام القوى التي تعلن إيمانها بها على المحكّ.
وبالنظر إلى كون “المعارضة التقليديّة”، وتالياً تشكيلاتها وتحالفاتها المستجدة، لم تأتِ من فراغ، وإنما في سياق بنى ومؤسساتٍ وأيديولوجياتٍ وتجارب تنظيميّةٍ قائمة في الماضي ومستمرة في الحاضر.. فإنّنا نرى أنّ المدخل الملائم للنقاش يتطلّب البحث، ابتداءً، في:
موقع “الديمقراطيَّة” في أدبيات المعارضة، وفي بناها وحياتها التنظيميّة، ثم في سلوكها فيما بينها، وكذلك في علاقتها مع الشارع المنتفض، ومدى انسجام كلِّ ذلك أو عدمه مع المفاهيم الديمقراطيَّة
وهو الموضوع الذي نتوجّه به إلى السادة المشاركين لإغنائه بمداخلاتهم وحواراتهم التي نفترض أن تقارب نماذج وأمثلة من تجاربهم السياسيّة. لعل الانطلاق من مدخل كهذا سيساهم في الإضاءة على تساؤلاتٍ وإشكالاتٍ عدّة مرتبطة بسؤال الديمقراطيّة، سيُستكمل نقاشها لاحقاً، من مثل:
• ماذا فعلت المعارضة من أجل تركيز زخم الشارع وتوجيه حركته في اتجاهٍ يخدم التغيير الديموقراطيَّ في سوريا، القضية التي يُفترض أنها كانت تحظى، أو تكاد، بإجماع أطياف المعارضة كافّة؟
• كيف تعاملت “المعارضة التقليديّة” مع “المعارضة الجديدة” (الشابة)، وهل استطاعت كسب ثقتها والإفادة من ديناميتها وفعاليتها في الشارع؟
• ما حقيقة الخلافات بين تشكيلات المعارضة المختلفة، وما سرُّ استمرار حالة الانقسام والتشرذم في أوساطها، إذا ما كانت تسعى بالفعل وراء الأهداف ذاتها، من إسقاط نظام الاستبداد وبناء الديمقراطيَّة؟
• هل أدى الاتّكاء على أجندات قوى خارجيّةٍ إلى تنصّل المعارضة من دورها التغييري، أم أنّ دور الخارج هو الذي عطّل من فاعليتها؟
• ماذا عن ملاقاة قسمٍ من المعارضة لتياراتٍ تحمل خطاباً طائفياً؟ أو، بتفصيل أكثر، كيف نقرأ التحالف مع قوى لا تؤمن بالديمقراطيَّة، بدعوى أولوية إسقاط النظام؟ وما خطورة ذلك على المشروع الديموقراطيِّ؟
للاطلاع على أعمال الورشة اضغط/ي هنا